الأمراض النفسية والاضطرابات النفسية: أنواعها وأسبابها وعلاجها

آخر تحديث: 25 أبريل 2026
  • تشمل الاضطرابات العقلية مجموعة واسعة من المشاكل التي تؤثر على التفكير والعواطف والسلوك والعلاقات، مع تأثير كبير على الحياة اليومية.
  • لا يوجد سبب واحد للمرض العقلي، بل هو تفاعل معقد بين العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية، بما في ذلك العوامل الوراثية وتجارب الحياة والسياق الاجتماعي والاقتصادي.
  • تتوفر خيارات علاج فعالة لمعظم الاضطرابات، تجمع بين العلاج النفسي والأدوية والدعم الاجتماعي، على الرغم من استمرار وجود فجوات كبيرة في الوصول إلى الرعاية وجودتها.
  • إن الوصم والتحيز النفسي يزيدان من حدة المعاناة، ولهذا السبب يتم الترويج للنماذج التي تركز على التعافي وحقوق الإنسان والمشاركة الفعالة للأشخاص المتضررين.

الصحة النفسية

يُستخدم مصطلح "المرض العقلي" بشكل يوميلكننا نادراً ما نتوقف لنفكر في معناها بالضبط، وما تشمله، وكيف تختلف عن مصطلحات أخرى مثل "الاضطراب العقلي" أو "مشكلة الصحة العقلية". على الرغم من أن وسائل الإعلام تغطي هذا الموضوع بشكل متزايد، إلا أن العديد من المفاهيم الخاطئة لا تزال تنتشر، مما يغذي الخوف والوصم والمعلومات المضللة.

وبالإضافة إلى ذلك، إننا نعيش لحظة تاريخية حيث أصبحت الصحة النفسية في صدارة الاهتماماتساهمت الأزمات الاقتصادية، والأوبئة، وانعدام الأمن الوظيفي، والشعور بالوحدة، والعبء الهائل لرعاية الآخرين، في زيادة المشكلات النفسية وتشخيص الاضطرابات العقلية لدى جميع الفئات العمرية. إن الفهم الواضح لما نعنيه عندما نتحدث عن المرض النفسي أمر بالغ الأهمية للحصول على المساعدة في الوقت المناسب، ودعم من يعانون، والمطالبة بأنظمة رعاية صحية أكثر عدلاً وفعالية.

ما هو المرض أو الاضطراب العقلي؟

المصطلحات: المرض العقلي، الاضطراب العقلي، أو اضطراب الصحة العقلية تشير هذه المصطلحات إلى مجموعة واسعة من الحالات التي تؤثر على تفكير الشخص وعواطفه ومزاجه وإدراكه للواقع وسلوكه. ولا يقتصر الأمر على مجرد "الشعور بالحزن" أو "التوتر"، بل يشمل تغيرات شديدة أو طويلة الأمد لدرجة تسبب ضيقًا كبيرًا أو تعيق الأداء في مجالات مهمة من الحياة (العمل، الدراسة، الأسرة، العلاقات الاجتماعية، العناية بالنفس، إلخ).

بشكل عام ، تعتبر تلك الأنماط العقلية أو السلوكية إشكالية هذه سلوكيات تنحرف بوضوح عما هو معتاد في المجموعة المرجعية الاجتماعية للشخص، وترتبط بمعاناة ذاتية، وفقدان للاستقلالية، أو خطر على الذات أو على الآخرين. وينعكس هذا في التصنيفات التشخيصية الرئيسية الحالية، مثل التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11) لمنظمة الصحة العالمية، أو الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5-TR) للجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين، والتي تشير إلى "اضطرابات نفسية" بدلاً من "أمراض نفسية".

يُستخدم مصطلح "المرض العقلي" بشكل أقل فأقل. في الأوساط التقنية، يُفضّل استخدام مصطلح "الاضطراب النفسي" لأنه يُنظر إليه على أنه أكثر وصمًا ويرتبط بنظرة طبية حيوية للضيق النفسي. وعادةً ما يُفضّل استخدام مصطلحي "الاضطراب النفسي" أو "علم الأمراض النفسية"، خاصةً عندما لا يكون السبب البيولوجي واضحًا تمامًا. ومع ذلك، في اللغة الدارجة، لا يزال كلا المصطلحين يُستخدمان بشكل متبادل.

ومن المهم التأكيد على أن لا يعني التشخيص أن الشخص "هو" المرض.يهدف التصنيف إلى تسمية المشكلات ووصفها، لا إلى تحديد الهويات. ومع ذلك، عملياً، قد يؤدي العبء الاجتماعي للتشخيص إلى التمييز، والقيود الذاتية، وصعوبات إضافية في عملية التعافي.

حقائق وأرقام أساسية حول الاضطرابات النفسية

إن عبء الاضطرابات النفسية في جميع أنحاء العالم هائل (حقائق عن الصحة النفسيةتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من واحد من كل سبعة أشخاص على كوكب الأرض، أو حوالي 1.100 مليار إنسان، يعانون من شكل من أشكال الاضطرابات النفسية في أي وقت. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن حوالي واحد من كل أربعة أشخاص سيواجه مشكلة صحية نفسية في مرحلة ما من حياته.

اضطرابات القلق واضطرابات الاكتئاب هذه هي أكثرها شيوعاً. على الصعيد العالمي، تشير التقديرات إلى أن نحو 280 مليون شخص يعانون من الاكتئاب، ومئات الملايين يعانون من نوع من اضطرابات القلق. يُعدّ الاكتئاب وحده أحد الأسباب الرئيسية للإعاقة في جميع أنحاء العالم، ويرتبط بارتفاع خطر الانتحار.

في حالة في إسبانيا، تشير التقديرات إلى أن حوالي 9% من السكان يعاني معظم الناس حاليًا من اضطراب نفسي واحد على الأقل، وسيُصاب أكثر من 15% منهم باضطراب نفسي في مرحلة ما من حياتهم. وتُشخَّص النساء البالغات بمشاكل الصحة النفسية بشكل أكثر شيوعًا (خاصة القلق والاكتئاب)، بينما يكون الأولاد أكثر عرضة للإصابة بها في مرحلة الطفولة مقارنةً بالفتيات.

ومن الحقائق المقلقة الأخرى أن معظم الأشخاص المصابين باضطراب عقلي لا يتلقون الرعاية الكافيةعلى الصعيد العالمي، لا يحصل سوى عدد قليل من المصابين بالاكتئاب أو غيره من الاضطرابات الخطيرة على علاج فعال، وعندما يتوفر، غالباً ما يكون غير كافٍ أو رديء الجودة. ولا يتلقى سوى حوالي 29% من المصابين بالذهان وثلث المصابين بالاكتئاب أي رعاية رسمية.

الأنواع الرئيسية للاضطرابات النفسية

نطاق الاضطرابات النفسية واسع للغاية يشمل هذا المصطلح حالات مرضية شديدة التباين، سواء من حيث الأعراض أو التشخيص أو العلاجات. ومع ذلك، يمكن تصنيفها ضمن عدة فئات تفسيرية واسعة النطاق لتسهيل فهمها.

اضطرابات القلق

تتميز اضطرابات القلق بالخوف والقلق غير المتناسبين. تترافق هذه الأعراض مع تغيرات جسدية (خفقان القلب، والتعرق، وتوتر العضلات، وصعوبة التنفس، ومشاكل في الجهاز الهضمي، إلخ) وتغيرات سلوكية (تجنب المواقف، والعصبية، والأرق، إلخ). ولا نتحدث هنا عن توتر طبيعي قبل امتحان أو مقابلة، بل عن مستوى من القلق يؤثر على الحياة اليومية.

ضمن هذه المجموعة نجد، من بين أمور أخرى، اضطراب القلق العام (القلق المفرط والمستمر بشأن جوانب متعددة من الحياة)، اضطراب الهلع (نوبات مفاجئة من الخوف الشديد مصحوبة بأعراض جسدية مزعجة للغاية)، اضطراب القلق الاجتماعي (خوف شديد من المواقف الاجتماعية أو التقييمية) أو اضطراب قلق الانفصال (خوف غير متناسب من الانفصال عن الأشخاص الذين يرتبط بهم عاطفياً).

عندما ينشأ القلق المرتبط بشيء أو موقف معين ويؤدي إلى تجنب شديد، نحن نتحدث عن أنواع محددة من الرهابالشخص الذي يعاني من الرهاب لا يشعر بمجرد "الاشمئزاز" أو عدم الراحة، بل يشعر برعب غير منطقي يصعب السيطرة عليه ويدفعه إلى إعادة تنظيم حياته لتجنب التعرض للمثير المخيف.

قد تهمك:  قائمة المهارات الوظيفية: الكفاءات 2024

توجد علاجات نفسية فعالة للغاية لاضطرابات القلقتُستخدم العلاجات السلوكية المعرفية بشكل متكرر، لا سيما تلك القائمة على التعرض التدريجي والتدريب على إدارة الأفكار والمشاعر. وفي بعض الحالات، وبحسب العمر وشدة الحالة، قد يُنظر في استخدام الأدوية المضادة للقلق أو الاكتئاب، وذلك دائمًا تحت إشراف متخصص.

اضطرابات الاكتئاب

الاكتئاب يتجاوز بكثير مجرد الشعور بالحزن لبضعة أيام.في نوبة الاكتئاب، يعاني الشخص من حالة مزاجية سيئة (حزن، تهيج، شعور بالفراغ) أو فقدان شبه كامل للاهتمام والاستمتاع بالأنشطة التي كان يستمتع بها سابقًا، لمدة أسبوعين على الأقل ومعظم اليوم.

وبالإضافة إلى ذلك، تظهر أعراض أخرى مثل صعوبة التركيز في كثير من الأحيانمشاعر مفرطة بالذنب أو انعدام القيمة، ونظرة سلبية للغاية للمستقبل، واضطرابات في النوم (النوم لفترات طويلة أو قصيرة جدًا)، وتغيرات في الشهية والوزن، وإرهاق شديد، أو أفكار انتحارية. من الواضح أن هذه الحالة تعيق الحياة اليومية، ولا يمكن تفسيرها بمجرد الحزن الطبيعي أو ردة فعل عابرة تجاه مشكلة ما.

الاكتئاب قابل للعلاجتوجد علاجات نفسية مدعومة علميًا، وقد يكون استخدام مضادات الاكتئاب مفيدًا أيضًا، وذلك بحسب شدة الحالة وخصائصها. المهم هو عدم التقليل من شأن الأعراض أو تفسيرها على أنها "ضعف إرادة": فالسعي المبكر للحصول على المساعدة ينقذ الأرواح.

اضطراب ثنائي القطب

يتميز اضطراب ثنائي القطب بنوبات اكتئاب متناوبة مع نوبات من الهوس أو الهوس الخفيف. في الهوس، يعاني الشخص من مزاج مرتفع أو سريع الانفعال بشكل غير طبيعي، وزيادة في الطاقة والنشاط، وانخفاض في الحاجة إلى النوم، وكثرة الكلام، وأفكار عظيمة، وإنفاق متهور، وسلوكيات محفوفة بالمخاطر، وما إلى ذلك. أما في الهوس الخفيف، فتكون الأعراض متشابهة ولكنها أقل حدة.

هذا الاضطراب الأمر لا يقتصر على مجرد "تقلبات مزاجية"هذا اضطراب مزاجي خطير ذو مكون بيولوجي قوي، ويرتبط بزيادة ملحوظة في خطر الانتحار. يجمع العلاج بين مثبتات المزاج، وأدوية نفسية أخرى، وأساليب نفسية اجتماعية كالتثقيف النفسي، والحد من التوتر، ودعم الأسرة، وتحسين الأداء الاجتماعي.

الفصام والاضطرابات الذهانية الأخرى

يُعدّ مرض الفصام أحد أكثر الاضطرابات العقلية شهرةً ووصمةً بالعار.يؤثر هذا المرض على حوالي واحد من كل 345 شخصًا ويرتبط بمتوسط ​​عمر أقل بحوالي تسع سنوات من متوسط ​​عمر عامة السكان، وذلك بسبب العوامل الطبية والاجتماعية.

ويتميز بها تغييرات عميقة في الإدراك والفكرالأوهام (معتقدات راسخة لا تتوافق مع الواقع)، والهلوسة (على سبيل المثال، سماع أصوات لا يسمعها الآخرون)، والكلام غير المنظم، والسلوك غير المنظم للغاية أو الهياج الشديد، بالإضافة إلى العجز المعرفي المستمر وضعف العلاقات العاطفية والعلائقية.

على الرغم من أن مرض الفصام عادة ما يكون له مسار مزمن، توجد تدخلات فعالة متعددة.تشمل الخدمات المقدمة الأدوية المضادة للذهان، والتثقيف النفسي، والتدخلات الأسرية، والتأهيل النفسي والاجتماعي، ودعم السكن والتوظيف، وغيرها. باتباع نهج شامل، يستطيع العديد من المصابين بالفصام أن يعيشوا حياة ذات معنى، لا سيما إذا تم الحد من الوصمة الاجتماعية وتوفير الدعم الحقيقي.

اضطرابات سلوك الأكل

تُعد اضطرابات الأكل من المشاكل الصحية النفسية الخطيرة تؤثر هذه الحالات على كيفية تناول الشخص للطعام، وشعوره، وتفكيره في جسده ووزنه. إنها ليست مجرد "نزوات" أو حميات غذائية قاسية، بل أمراض معقدة قد تهدد الحياة.

ومن بين أشهرها فقدان الشهية العصبي (تقييد شديد لتناول الطعام، وخوف شديد من زيادة الوزن، وتشوه صورة الجسم)، الشره المرضي العصبي (نوبات متكررة من الإفراط في تناول الطعام يتبعها سلوكيات تعويضية مثل التقيؤ أو استخدام الملينات أو ممارسة الرياضة المفرطة) و الشراهة عند تناول الطعام (تناول كميات كبيرة من الطعام بشكل قهري مع الشعور بفقدان السيطرة، دون سلوكيات تطهير لاحقة، ولكن مع شعور كبير بعدم الراحة والقلق بشأن الوزن).

هذه الاضطرابات قد يسبب مضاعفات طبية خطيرة وترتبط هذه الحالات بزيادة خطر الانتحار وتعاطي المخدرات. وتجمع العلاجات الأكثر فعالية بين العلاج النفسي (مثل العلاج السلوكي المعرفي أو العلاج الأسري)، والمتابعة الطبية والتغذوية، والدعم النفسي عند الضرورة.

اضطرابات شائعة أخرى

إضافة إلى ما سبق، هناك العديد من الاضطرابات النفسية الشائعة الأخرى. والتي تستحق المعرفة لأنها تظهر بشكل متكرر في الممارسة السريرية وبين عامة السكان.

El اضطراب الوسواس القهري يتميز اضطراب الوسواس القهري بالوساوس (أفكار أو دوافع أو صور متكررة ومتطفلة تولد القلق) والأفعال القهرية (سلوكيات أو أفعال ذهنية متكررة يشعر الشخص بأنه مضطر للقيام بها لتقليل هذا الشعور بالانزعاج أو منع حدث مخيف). قد يستنزف اضطراب الوسواس القهري ساعات يوميًا ويؤثر سلبًا على الحياة اليومية.

El اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) قد تظهر هذه الحالة بعد التعرض لحادثة صادمة للغاية، أو مشاهدتها، أو معرفة تفاصيلها (كالاعتداء، أو الحرب، أو الكوارث، أو الإيذاء، أو الحوادث الخطيرة، إلخ). يعيش الشخص الحادثة من جديد (كوابيس، ذكريات مؤلمة)، ويتجنب الأفكار والمواقف التي تذكره بالصدمة، ويعيش في شعور دائم بالتهديد. تستمر هذه الأعراض لأسابيع أو شهور، وتسبب خللاً وظيفياً كبيراً.

الكثير اضطرابات الشخصيةتتضمن هذه الحالات، مثل اضطراب الشخصية الحدية، أنماطًا مستمرة من عدم الاستقرار العاطفي، والاندفاع، وتدني تقدير الذات، وعلاقات متقلبة للغاية. الأمر لا يقتصر على مجرد "سرعة الغضب"، بل هو أسلوب في الأداء الداخلي والعلاقاتي يتطور بمرور الوقت ويسبب ضيقًا شديدًا.

في الشيخوخة، أصبح الخرف أحد أكثر الأمراض العقلية أهمية.إنها ليست تشخيصًا واحدًا، بل مجموعة من الحالات (مثل مرض الزهايمر أو الخرف الوعائي) التي تتميز بتدهور تدريجي في الذاكرة والوظائف المعرفية الأخرى مما يحد من استقلالية الشخص.

وأخيرا، اضطرابات تعاطي المواد المخدرة (إدمان الكحول، أو المخدرات القانونية أو غير القانونية، وما إلى ذلك) يؤثر على وظائف الدماغ والسلوك، لدرجة أن الشخص يفقد السيطرة على الاستهلاك، ويستمر فيه على الرغم من العواقب السلبية، ويعيد هيكلة حياته حول المادة.

قد تهمك:  أنواع السياسات العامة: الإجراءات الحكومية

الاضطرابات والمشاكل النمائية العصبية في مرحلة الطفولة والمراهقة

من بينها تبرز اضطرابات النمو الفكري (قيود كبيرة في الأداء الفكري وفي المهارات التكيفية اليومية)، اضطراب طيف التوحد (ASD) (صعوبات في التواصل والتفاعل الاجتماعي المتبادل، وأنماط سلوكية واهتمامات مقيدة ومتكررة) و اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) (نمط مستمر من عدم الانتباه و/أو فرط النشاط والاندفاع الذي يعيق الأداء الأكاديمي أو الاجتماعي أو المهني).

في فئة الأطفال، اضطرابات القلق، والاكتئاب، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاطتُعد اضطرابات طيف التوحد والاضطرابات السلوكية شائعة بشكل خاص. كما أن اضطرابات الأكل والرهاب الاجتماعي وتعاطي المخدرات تنتشر بشكل متزايد بين المراهقين. استخدام الإنترنت بشكل إشكالي وغيرها من المشاكل العاطفية المرتبطة بالتغيرات الرئيسية لهذه المرحلة.

في الشيخوخة، بالإضافة إلى الخرف، يعد الاكتئاب واضطرابات النوم من الأمراض الشائعة. والهذيان أو متلازمة التشوش الذهني الحاد (تغير مفاجئ في الوعي والانتباه، غالباً ما يرتبط بالعدوى أو الأدوية أو أسباب طبية أخرى). عوامل مثل الشعور بالوحدة، وفقدان الأحبة، وانخفاض الدخل، أو التدهور البدني تزيد من خطر الإصابة بمشاكل الصحة النفسية لدى كبار السن.

عوامل الخطر والأسباب والنموذج البيولوجي النفسي الاجتماعي

لا يوجد سبب واحد يفسر جميع الاضطرابات النفسيةتُظهر الأبحاث تفاعلاً معقداً بين العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية. يتطور كل شخص حالته الخاصة من خلال مزيج فريد من العناصر.

على المستوى البيولوجي، نعلم أن بعض الاضطرابات لها مكون وراثي كبير.تم تحديد أكثر من مئة جين ومتغير جيني مرتبطة بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب الشديد، والقلق، والفصام، والاضطراب ثنائي القطب، أو اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، مع تحقيق تقدم ملحوظ في حالة الفصام. علاوة على ذلك، ترتبط تغيرات في بنية الدماغ ونشاطه، بالإضافة إلى تغيرات في أجهزة مثل الجهاز المناعي والإجهاد التأكسدي، ببعض هذه الحالات.

من منظور الطب النفسي الغذائي، لقد تم تأكيد ذلك التغذية يعمل كعامل خطر أو عامل وقائييرتبط النظام الغذائي غير المتوازن بزيادة احتمالية الإصابة بالاضطرابات العقلية، وفي الوقت نفسه، يشجع التوتر أو المشاكل النفسية على عادات الأكل السيئة، مما يؤدي إلى حلقة مفرغة تزيد من سوء الصحة البدنية والعقلية.

في مجال علم النفس، سمات شخصية مثل العصابية العالية (الميل إلى تجربة مشاعر سلبية شديدة) يزيد من احتمالية الإصابة بأكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً. كما تلعب مهارات تنظيم المشاعر، والمعتقدات حول الذات والعالم، وأسلوب التعامل مع الضغوط، وتجارب التعلق المبكرة دوراً في ذلك.

على المستوى الاجتماعي والهيكلي، الفقر، والعنف، والتمييز، وعدم المساواة y البيئة التي تحيط بنايُعدّ محدودية الوصول إلى الموارد الأساسية وخدمات الرعاية الصحية، أو غياب شبكات الدعم، من عوامل الخطر القوية. ورغم أن الكثيرين يُظهرون مرونةً ملحوظةً في مواجهة الظروف الصعبة، فإنّ أولئك الذين يواجهون ظروفًا أكثر حرمانًا يكونون أكثر عرضةً للإصابة بمشاكل الصحة النفسية.

كل هذا يضفي معنى على النداء نموذج بيولوجي نفسي اجتماعيينظر هذا النهج إلى الاضطرابات النفسية على أنها نتاج تفاعل مستمر بين البيولوجيا والعقل والبيئة. ومن هذا المنظور، من غير المنطقي مقارنة "العضوي" بـ"النفسي": فالتجارب النفسية تُغير الدماغ، والتغيرات الدماغية بدورها تُعدّل الأفكار والمشاعر.

المرض العقلي، والاضطراب العقلي، والأصل العضوي مقابل الأصل السلوكي

في اللغة التقنية الحالية، هناك ميل للحديث عن الاضطرابات العقليةمع ذلك، في الحياة اليومية، لا يزال مصطلحا "الاضطراب" و"المرض العقلي" يُستخدمان بشكل متبادل كما لو كانا مترادفين. يقترح بعض المتخصصين تمييزًا مفيدًا بينهما: تخصيص مصطلح "المرض العقلي" للحالات ذات الأصل العضوي الواضح (مثل التغيرات في بنية الدماغ، والاختلالات الكيميائية الحيوية الملحوظة)، ومصطلح "الاضطراب العقلي" للمشاكل التي يلعب فيها التعلم والسلوك دورًا أكثر أهمية.

من هذا المنظور، يُعتبر الفصام أو الاضطراب ثنائي القطب أقرب إلى مفهوم المرض العقليفي حين أن الرهاب المحدد، والقلق الاجتماعي، والقلق العام، أو بعض مشاكل الشخصية يمكن فهمها في المقام الأول على أنها اضطرابات مكتسبة من خلال تجارب الحياة وآليات التكيف، دون وجود إصابة عصبية واضحة.

لهذا التمييز عواقب عملية: غالباً ما تتطلب الأمراض العقلية ذات الأساس العضوي علاجات دوائية طويلة الأمد لإدارة أعراضهم، بالإضافة إلى التدخلات النفسية والاجتماعية. في المقابل، يمكن التغلب على العديد من الاضطرابات المكتسبة أو الحد منها بشكل كبير من خلال العلاج النفسي وتغييرات السلوك دون الحاجة إلى تناول أدوية بشكل دائم.

وعلى أية حال، من الضروري تجنب النظرة الحتميةحتى في الحالات التي تنطوي على عبء بيولوجي كبير، تؤثر العوامل النفسية والاجتماعية على مسار المرض، وتوقعات الشفاء، والاستجابة للعلاج. وفي الاضطرابات ذات المنشأ السلوكي في المقام الأول، يتأثر الدماغ أيضاً ويتغير مع تعلم الشخص طرقاً أخرى للتفكير والشعور والتصرف.

الاضطرابات النفسية الثانوية للأمراض العضوية

جانب رئيسي وغالبًا ما يتم تجاهله الحقيقة هي أن بعض المشاكل النفسية تكون ثانوية لأمراض جسدية أو عصبية كامنة. في هذه الحالات، يمكن أن يؤدي علاج السبب العضوي إلى تحسن ملحوظ في الأعراض النفسية أو حتى زوالها.

وهكذا، يجب أن تكون الخطوة الأولى في التعامل مع الحالة النفسية دائماً هي إجراء تقييم طبي كامل.يُعدّ التاريخ الطبي المفصّل والفحص السريري، وعند الضرورة، الفحوصات المخبرية أو التصويرية، أمورًا أساسية. ويمكن أن تظهر أعراض العديد من اضطرابات الغدد الصماء، وأمراض المناعة الذاتية، والاضطرابات الأيضية، والأمراض المعدية، والأمراض العصبية، وأمراض الجهاز التنفسي، وأمراض الكبد، وأمراض الكلى، وأمراض الدم، أو حتى اضطرابات نقص الفيتامينات أو المعادن، على شكل قلق، واكتئاب، وذهان، وارتباك، وتغيرات في الشخصية، وغيرها.

على سبيل المثال اضطرابات الغدة الدرقيةقد تظهر أمراض مثل الداء البطني (أحيانًا بدون أعراض هضمية)، وبعض أنواع التهاب الدماغ، وأورام الدماغ، والعدوى مثل الزهري العصبي أو مرض لايم، وفشل الكبد أو الكلى، واضطرابات الكهارل، والتعرض للسموم أو المعادن الثقيلة في البداية على أنها "اضطراب عقلي".

بعض الأحيان، تظهر الأعراض النفسية قبل ظهور العلامات الجسدية الأخرى الأكثر وضوحاً. أو قد تكون هذه الأعراض هي العرض الوحيد للمرض لسنوات. إذا لم يُؤخذ هذا الاحتمال في الاعتبار، يتأخر التشخيص الصحيح وتُفقد فرصة العلاج المناسب، الذي قد يُغير مسار المرض جذرياً.

قد تهمك:  ما هي سياسات الموارد البشرية؟: القواعد

التقييم والتشخيص في مجال الصحة النفسية

لا تقتصر عملية التشخيص في مجال الصحة النفسية على وضع تصنيف على شخص ما.يتضمن ذلك فهم ما يحدث للشخص، ومتى، وفي أي سياق، وبأي شدة، وكيف يؤثر ذلك على حياته. إنها مهمة سريرية معقدة تجمع بين مصادر معلومات مختلفة.

تشمل الخطوات المعتادة تاريخ طبي مفصل (التاريخ الشخصي والعائلي، تعاطي المواد المخدرة، الوضع الاجتماعي، أحداث الحياة)، أ الفحص البدني مع إجراء فحوصات مخبرية أو غيرها من الفحوصات إذا اشتبه في وجود أسباب عضوية، و التقييم النفسي حيث يتم استكشاف أفكار الشخص وعواطفه وسلوكياته ومهاراته وموارده.

يمكن استخدامها الاختبارات النفسية والاستبيانات المعيارية تساعد هذه الأدوات في تحديد شدة الأعراض أو توجيه التشخيص، ولكن في مجال الصحة النفسية، تظل الملاحظة السريرية والمقابلات أساسية. وبناءً على ذلك، يقارن المختص المعلومات بمعايير التصنيف الحالية لصياغة تشخيص واحد أو أكثر، مع مراعاة أن هذه التصنيفات أدوات وليست حقائق مطلقة.

العلاج والدعم للاضطرابات النفسية

يتم تصميم علاج الاضطراب العقلي على أساس فردي.مع الأخذ في الاعتبار نوع المشكلة، ومدى خطورتها، والظروف المعيشية للشخص، وتفضيلاته، والموارد المتاحة. لا توجد وصفة واحدة تناسب الجميع، ولكن هناك عدة ركائز مشتركة.

في كثير من الحالات ، العلاج النفسي هو محور التدخل الرئيسيتوجد مناهج مختلفة و استراتيجيات الرعاية (العلاج السلوكي المعرفي، والعلاج الإنساني، والعلاج النظمي، والعلاج النفسي الديناميكي، والعلاجات من الجيل الثالث، وغيرها) مدعومة بأدلة علمية لعلاج اضطرابات متنوعة. لا يقتصر الهدف على تخفيف الأعراض فحسب، بل يشمل مساعدة الشخص على فهم ذاته، وتطوير مهارات جديدة، وبناء حياة أكثر انسجامًا مع قيمه.

الكثير قد يكون العلاج النفسي ضرورياً تُستخدم هذه الأدوية في العديد من الحالات، مثل مضادات الاكتئاب، ومضادات القلق، ومضادات الذهان، ومثبتات المزاج، وأدوية اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، وغيرها. عند استخدامها بشكل صحيح، تُخفف هذه الأدوية من المعاناة وتُمكّن الشخص من الاستفادة من العلاج النفسي وتغييرات بيئته. في حالات الاضطرابات الشديدة كالفصام أو الاضطراب ثنائي القطب، يُنصح عادةً بالعلاج طويل الأمد.

لكن النهج الشامل حقًا الأمر يتجاوز مجرد التشاوريُعد الدعم الاجتماعي ضروريًا للحفاظ على العلاقات الأسرية والصداقات أو ترميمها، ولضمان الحصول على التعليم والعمل والسكن اللائق والمشاركة المجتمعية. ويشمل ذلك التدخل الاجتماعي والعلاج الوظيفي، و تمريض الصحة العقلية وتلعب مجموعات المساعدة المتبادلة دوراً حاسماً.

في الحالات الأكثر شدة ، عندما يكون هناك خطر كبير لحدوث ضرر للشخص نفسه أو للآخرينقد يكون من الضروري إدخال المريض إلى المستشفى النفسي لفترة من الزمن. وتجمع هذه الإدخالات بين الأدوية، والتقييد، والدعم النفسي، وأنشطة العلاج الفردي والجماعي، بهدف استقرار الحالة وإعداد المريض للعودة إلى بيئته المعتادة.

الوصم، والتأثير العقلاني، والنماذج البديلة

وبغض النظر عن الأعراض، فإن إحدى المشكلات الرئيسية المرتبطة بالاضطرابات النفسية إنها الوصمة الاجتماعية. لا تزال الأحكام المسبقة مثل "إنهم خطرون"، و"إنهم غير قابلين للشفاء"، و"إنها مسألة إرادة"، أو "إنهم غير جديرين بالثقة" موجودة بشدة، مما يجعل من الصعب على الناس طلب المساعدة، وإيجاد عمل أو سكن، وأن يُعاملوا باحترام حتى في الخدمات الصحية نفسها.

من خلال مجموعات من الأشخاص ذوي الخبرة المعيشية ومن خلال التدخل الاجتماعي، هناك حديث عن "العقلانية" أم "العقلانية" يركز هذا النهج على المواقف التمييزية تجاه من يختلفون عن المعايير في مجال الصحة النفسية. ويؤكد أنه لا يكفي الحد من "الوصم" بمفهومه العام، بل من الضروري أيضاً التشكيك في ممارسات المؤسسات الصحية والاجتماعية والقانونية التي قد تُفاقم المعاناة أحياناً تحت ستار "الحماية".

وقد قاموا أيضاً بجمع الانتقادات الأساسية للنموذج الطبي الحيوي الكلاسيكييميل هذا النهج إلى فهم الاضطرابات النفسية على أنها أمراض دماغية مشابهة لمرض السكري أو ارتفاع ضغط الدم. ويشير بعض المؤلفين إلى أن هذا الإطار اختزالي للغاية، ويعجز عن تفسير تعقيد المشكلات، وذلك بتقليله من شأن السياق الحياتي، والسلطة، والعنف، وعدم المساواة. (انظر تفكيك نظرة على الظاهرة العقلية.)

ورداً على ذلك، ظهرت مقترحات مثل ما يلي: إطار معنى تهديد القوةيقترح هذا النهج، الذي روج له قسم علم النفس السريري التابع للجمعية البريطانية لعلم النفس، بدلاً من السؤال "ما هو الاضطراب الذي يعاني منه هذا الشخص؟"، طرح أسئلة مثل "ماذا حدث لك؟"، "كيف أثر ذلك عليك؟"، "ما المعنى الذي يمثله ما تشعر به بالنسبة لك؟"، أو "ما هي الموارد والدعم المتاح لديك أو الذي يمكنك تطويره؟".

بالتوازي، يشهد نموذج التعافي توسعاً منذ تسعينيات القرن الماضيلا يقتصر التركيز على اختفاء الأعراض فحسب، بل يشمل أيضاً تمكين كل شخص من بناء حياة ذات معنى، حتى وإن استمرت بعض الصعوبات. ولا يعني التعافي بالضرورة "الشفاء" بالمعنى الطبي، بل استعادة القوة والتعبير والمشاركة في حياة الفرد.

لسوء الحظ، لا تزال أنظمة الرعاية الصحية تعاني من قصور. من بين هذه الرؤى الأكثر شمولاً. في العديد من البلدان، الفجوة بين الحاجة الحقيقية والموارد المتاحة هائلة، وينصب التركيز على العلاج السريع والحالات الطارئة التي تستدعي دخول المستشفى لمرة واحدة، مع وجود مجال ضئيل للتدخلات النفسية والاجتماعية المستمرة وللمشاركة الفعالة للمتضررين في تصميم الخدمات.

فهم المرض والاضطراب العقلي من منظور واسعإنّ اتباع نهج يشمل البيانات العلمية والسياق الاجتماعي والتاريخ الشخصي وحقوق الإنسان يُمكّننا من النظر إلى هذه المشكلات بواقعية أكبر وبخوف أقل. فالاضطرابات النفسية، بعيدًا عن كونها قدرًا محتومًا أو مجرد "ضعف في الشخصية"، هي تجارب معقدة يمكن معالجتها، وفي كثير من الحالات، تحسينها بشكل ملحوظ، من خلال الدعم المناسب، مما يفتح الباب أمام حياة جديرة بالعيش.

حقائق عن الصحة النفسية
المادة ذات الصلة:
حقائق حول الصحة النفسية: الشخصيات الرئيسية والمخاطر والتحديات الحالية